سألته في الليلة الأخيرة من شهر رمضان، حيث تختلط مشاعر الوداع برجاء القبول…
كيف هو شعورك ونحن على أعتاب الليلة الأخيرة من شهر رمضان، وقد وفقك الله لصيامه؟
نظر إليّ بعينين يفيض منهما الامتنان، كأنهما تختصران رحلة عمرٍ كاملة مع النعم، وقال بصوتٍ متهدّجٍ بخشوع:
"لا أستطيع أن أصف شعوري… إنها نعمة عظيمة أن يمدّ الله في عمري حتى أبلغ رمضان، وأعيش في رحابه، وأستنشق نفحاته… نعمة تستحق سجود الشكر."
ثم سألته:
وهل يختلف رمضان هذا العام عن رمضانات مضت… لنقل قبل خمسين عامًا؟
ابتسم ابتسامةً تحمل بين ثناياها حنين السنين، وقال:
"كأنك لا تريد أن تذكر عمري الحقيقي… ولكن دعني أقول لك: كان لرمضان في تلك الأيام طعمٌ آخر… طعم بسيط، لكنه عميق… لذيذ بروحه، جميل ببرنامجه… وإن كان بسيطًا في ظاهره، إلا أنه كان يُشبع القلب قبل الجسد…"
ثم أضاف بصوتٍ يلامس شغاف القلب: كنا نودّع شهر رمضان بدموعٍ صادقة، تفيض شوقًا إليه قبل أن يرحل.
هكذا كان حديث الحاج أبو فرج حسن حبيب آل سليم…
ذلك الاسم الذي تعرفه الشويكة، لا بوصفه مجرد رجل، بل كحكاية زمنٍ جميل.
حين تنظر إلى ملامحه، تقرأ فيها فصولًا من الصبر، وتلمح بين تجاعيد وجهه ملامح رجالٍ بنوا حياتهم بعرق الجبين وصدق النية.
أبو فرج… رجلٌ عصامي، بدأ رحلته من الصفر وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره، يحمل على كتفيه همّ الرزق، ويخطو بثبات في دروب العمل.
ومنذ نعومة أظفاره، انطلق في ميادين الكسب؛ فعمل في بيع المواشي، ثم شدّ رحاله إلى الظهران ليعمل في أحد المطاعم، باحثًا عن رزقه بجهدٍ صادق وعزيمةٍ لا تلين.
ثم عمل في المقاولات، في ترميم البيوت وصيانتها، تنقّل بين عنك والثقبة والخبر، ولم يعرف يومًا معنى الكسل أو التردد.
لم يكن يسأل: هل المكان بعيد؟ هل الأجر قليل؟
بل كان يسأل نفسه: هل في هذا العمل بركة؟
وكان الجواب يدفعه دومًا إلى المضيّ قدمًا… حتى أصبح مقاولًا يُشار إليه بالبنان، ويُطلب اسمه من القريب قبل البعيد.
ولم يكن عمله مجرد مهنة، بل رسالة…
فكم من بيتٍ لفقراء رمّم جدرانه، وكم من عائلة أعاد إليها دفء السكن، متعاونًا مع جمعية القطيف الخيرية، يعمل بصمت، ويغادر دون أن ينتظر ثناءً أو شكرًا… وكأن يده تعطي، وقلبه يخفي.
أما حضوره الاجتماعي، فله نكهة خاصة…
يتنقّل بين المجالس كنسمةٍ طيبة؛ من مجلس عائلة رمضان إلى مجلس عائلة العباس، ثم يختم جلسته مع صديقه عبدالوهاب الجزير.
وفي كل مجلس، له حديثٌ يدفئ القلوب… يروي قصة، أو يقتبس حكمة، أو يزرع ابتسامة.
وفي المساجد، كان له مقام آخر…
حضورٌ لا يغيب، وخطى تعرف طريقها إلى صلاة الجماعة قبل أن يُنادى لها.
سألته في نهاية حديثنا:
يقال إنهم ينادونك بـ"المطوع"… هل يزعجك هذا اللقب؟
ابتسم ابتسامة رضا، وقال بهدوء الواثق:
"بل هو لقب أعتز به… لأنه جاء من حب الناس، ولأنه ثمرة التزامي بالصلاة والجماعة."
نعم، فقد كان مواظبًا على حضور صلاة الجماعة، لا يتخلف عنها، وكان من المصلّين الدائمين مع الشيخ فرج العمران.
وكانت ملامحه حين قالها تشع وقارًا، كأن اللقب لم يُمنح له، بل وُلد معه.
أبو فرج…
رجلٌ لم تصنعه السنوات وحدها، بل صقلته التجارب، وهذّبته الأيام، حتى أصبح شخصيةً راسخة، أصيلة، متزنة… تحمل في قلبها بساطة الماضي، وفي سلوكها حكمة العمر، وفي حضورها أثر الرجال الذين يُخلّدهم الصدق قبل الأسماء.

كيف هو شعورك ونحن على أعتاب الليلة الأخيرة من شهر رمضان، وقد وفقك الله لصيامه؟
نظر إليّ بعينين يفيض منهما الامتنان، كأنهما تختصران رحلة عمرٍ كاملة مع النعم، وقال بصوتٍ متهدّجٍ بخشوع:
"لا أستطيع أن أصف شعوري… إنها نعمة عظيمة أن يمدّ الله في عمري حتى أبلغ رمضان، وأعيش في رحابه، وأستنشق نفحاته… نعمة تستحق سجود الشكر."
ثم سألته:
وهل يختلف رمضان هذا العام عن رمضانات مضت… لنقل قبل خمسين عامًا؟
ابتسم ابتسامةً تحمل بين ثناياها حنين السنين، وقال:
"كأنك لا تريد أن تذكر عمري الحقيقي… ولكن دعني أقول لك: كان لرمضان في تلك الأيام طعمٌ آخر… طعم بسيط، لكنه عميق… لذيذ بروحه، جميل ببرنامجه… وإن كان بسيطًا في ظاهره، إلا أنه كان يُشبع القلب قبل الجسد…"
ثم أضاف بصوتٍ يلامس شغاف القلب: كنا نودّع شهر رمضان بدموعٍ صادقة، تفيض شوقًا إليه قبل أن يرحل.
هكذا كان حديث الحاج أبو فرج حسن حبيب آل سليم…
ذلك الاسم الذي تعرفه الشويكة، لا بوصفه مجرد رجل، بل كحكاية زمنٍ جميل.
حين تنظر إلى ملامحه، تقرأ فيها فصولًا من الصبر، وتلمح بين تجاعيد وجهه ملامح رجالٍ بنوا حياتهم بعرق الجبين وصدق النية.
أبو فرج… رجلٌ عصامي، بدأ رحلته من الصفر وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره، يحمل على كتفيه همّ الرزق، ويخطو بثبات في دروب العمل.
ومنذ نعومة أظفاره، انطلق في ميادين الكسب؛ فعمل في بيع المواشي، ثم شدّ رحاله إلى الظهران ليعمل في أحد المطاعم، باحثًا عن رزقه بجهدٍ صادق وعزيمةٍ لا تلين.
ثم عمل في المقاولات، في ترميم البيوت وصيانتها، تنقّل بين عنك والثقبة والخبر، ولم يعرف يومًا معنى الكسل أو التردد.
لم يكن يسأل: هل المكان بعيد؟ هل الأجر قليل؟
بل كان يسأل نفسه: هل في هذا العمل بركة؟
وكان الجواب يدفعه دومًا إلى المضيّ قدمًا… حتى أصبح مقاولًا يُشار إليه بالبنان، ويُطلب اسمه من القريب قبل البعيد.
ولم يكن عمله مجرد مهنة، بل رسالة…
فكم من بيتٍ لفقراء رمّم جدرانه، وكم من عائلة أعاد إليها دفء السكن، متعاونًا مع جمعية القطيف الخيرية، يعمل بصمت، ويغادر دون أن ينتظر ثناءً أو شكرًا… وكأن يده تعطي، وقلبه يخفي.
أما حضوره الاجتماعي، فله نكهة خاصة…
يتنقّل بين المجالس كنسمةٍ طيبة؛ من مجلس عائلة رمضان إلى مجلس عائلة العباس، ثم يختم جلسته مع صديقه عبدالوهاب الجزير.
وفي كل مجلس، له حديثٌ يدفئ القلوب… يروي قصة، أو يقتبس حكمة، أو يزرع ابتسامة.
وفي المساجد، كان له مقام آخر…
حضورٌ لا يغيب، وخطى تعرف طريقها إلى صلاة الجماعة قبل أن يُنادى لها.
سألته في نهاية حديثنا:
يقال إنهم ينادونك بـ"المطوع"… هل يزعجك هذا اللقب؟
ابتسم ابتسامة رضا، وقال بهدوء الواثق:
"بل هو لقب أعتز به… لأنه جاء من حب الناس، ولأنه ثمرة التزامي بالصلاة والجماعة."
نعم، فقد كان مواظبًا على حضور صلاة الجماعة، لا يتخلف عنها، وكان من المصلّين الدائمين مع الشيخ فرج العمران.
وكانت ملامحه حين قالها تشع وقارًا، كأن اللقب لم يُمنح له، بل وُلد معه.
أبو فرج…
رجلٌ لم تصنعه السنوات وحدها، بل صقلته التجارب، وهذّبته الأيام، حتى أصبح شخصيةً راسخة، أصيلة، متزنة… تحمل في قلبها بساطة الماضي، وفي سلوكها حكمة العمر، وفي حضورها أثر الرجال الذين يُخلّدهم الصدق قبل الأسماء.




